البيت الخليجي
بيت خبرة مقره العاصمة البريطانية لندن، يعمل كمؤسسة بحثية ودار نشر – غير ربحية – تعنى بإنتاج ونشر دراسات الرصد والتحليل والدراسات الاستراتيجية والمعمقة حول السياسات والقضايا المتعلقة بدول الخليج وجوارها الإقليمي.

الحرب في اليمن: تعقيدات الصراع وخيارات التسوية

لا تقف تعقيدات الأزمة اليمنية عند وضعية الحرب التي يدفع اليمنيون كلفتها، بل تتجاوزها إلى عدم قدرة الأطراف المتحاربة العودة إلى المربع السياسي السابق، أي قبل إسقاط جماعة الحوثي وقوات “علي عبدالله صالح” للعاصمة صنعاء ومن ثمة تمدد الصراع اليمني وتحوله إلى صراع إقليمي؛ إذ تضافرت الأحداث المتسارعة في زيادة تعقيد الأزمة، بما في ذلك تدخل اللاعبين الإقليميين، وبالتالي تشدد أطراف الصراع في اليمن ورفضها تقديم تنازلات سياسية تساعد في تخليق وضع تفاوضي طبيعي من شأنه التهيئة لحل مستدام للأزمة اليمنية. إن إيجاد أرضية مشتركة لحل سياسي بين الأطراف المحلية وحلفائهم الإقليميين يصطدم بعراقيل ذاتية من قبل هذه الأطراف وحلفائها، وعراقيل أخرى مختلقة من قبل جماعات محلية غير منضبطة ظهرت أثناء الحرب وأصبحت أكثر حضوراً في الساحة اليمنية ولها أجندتها السياسية الخاصة.
على الرغم من تعقد وتعدد العراقيل المحبطة لأي تسوية سياسية محتملة، فإن الحرب لا يمكن أن تستمر للأبد، وعاجلاً أم آجلاً، سيتوجب الدفع بالمسار السياسي لحل الأزمة، وقبل المضي بهذا المسار لا بد من تفكيك هذه العراقيل وتدعيم جهود الوسيط الإقليمي (مسقط) والمبعوث الدولي إلى اليمن “إسماعيل ولد الشيخ”، في تطبيع العلاقات بين الأطراف اليمنية وتجذير بناء الثقة.
من المؤكد أن أقلمة الصراع اليمني، الذي بدأ بالتدخل العسكري للتحالف العربي بقيادة السعودية لإنهاء تمرد الحوثي وصالح على السلطة الشرعية للرئيس “عبدربه منصور هادي”، أدى إلى تجميد المسار السياسي وانتقال قرار العودة للخيار السياسي من الأطراف اليمنية إلى الإقليمية، إذ وجدت سلطة “هادي” نفسها مرتبطة بالأجندات السعودية التي كانت تمضي في اتجاه تصعيد العمليات العكسرية على اليمن؛ إلا أن تعثر إعادة السلطة بشكل نهائي والفشل في تأمينها وعدم قدرة الردع السعودي على وقف تهديد مليشيات الحوثي وصالح لحدودها الجنوبية، اضطر السعودية للقبول بمشاركة حليفها في المفاوضات. شاركت حكومة “هادي” في جولتي المفاوضات التي عقدت في يونيو وديسمبر الماضي، وتمسكت في مفاوضات جنيف الأولى والثانية بالمبادرة الخليجية ومخرجات الحوار الوطني، وكذا بالقرار الأممي 2216 الذي يقضي بإلزامية الحوثي وصالح بالانسحاب من المدن اليمنية وإعادة الأسلحة المنهوبة من الجيش إلى الدولة، لكن مراهنة التحالف وحلفائه لم تكن على المفاوضات السياسية بل تركزت في تحقيق نصر عسكري يضع الطرف الآخر أمام الأمر الواقع ويلزمه بكل هذه الشروط.
على غرار موقف السلطة الشرعية والتحالف العربي الداعم لها، ظل تحالف الحوثي وصالح طيلة الحرب يراهن على استمرار الخيار العسكري، فمشاركته في جولتي المفاوضات مع حكومة “هادي” لم تكن قناعة باستئناف العملية السياسية، وإنما خضوعاً لضغوط أطراف إقليمية، إيرانية وروسية، ولكسب وقت يمكن هذا التحالف من تحسين الميزان العسكري في الميدان لصالحه؛ انطلقت اشتراطات تحالف الحوثي وصالح في المفاوضات من زاوية أحادية، تركزت في وقف العمليات العسكرية للتحالف العربي داخل الأراضي اليمنية، دون أن تلتزم بجانبها بوقف الحرب في المدن اليمنية أو على الحدود السعودية، وكذا اشتراط استبعاد “هادي” من رأس السلطة في اليمن، وأن تقوم التسوية السياسية على المبادرة الخليجية واتفاق السلم والشراكة وتشكيل حكومة تسيير الأعمال. رفض تحالف الحوثي وصالح تنفيذ القرار الأممي، ورأى فيه انحيازاً لسلطة “هادي” وإلغاء لمكاسبه المتحققة على الأرض؛ وفي حين نصت الاتفاقات المبدئية في “جنيف الثانية” على تعزيز إجراءات الثقة التي تبدأ بإطلاق الحوثيين للسجناء والسماح بدخول المساعدات الغذائية إلى مدينة تعز المحاصرة، لم تلتزم جماعة الحوثي بأي من هذه المطالب، كما فشلت اللجنة الأمنية التي تم الاتفاق على تشكيلها برئاسة العميد “سليم رعد” في مراقبة وقف إطلاق النار، مما أدى إلى تجميدها في النهاية، ومضى صالح إلى أبعد من ذلك، إذ نسف أسس مشاورات جنيف الثانية بإعلانه رفض التفاوض مع حكومة “هادي” والإصرار على التفاوض رأساً مع السعودية، وهو ما أدى إلى تجميد الجولة الثالثة من المفاوضات، ورشحت مسببات فشل جهود التسوية للأزمة اليمنية في إحاطة المبعوث الدولي الأخيرة لمجلس الأمن في 17 فبراير الماضي.
إن تدخلات أطراف عديدة في الأزمة اليمنية وانسياقها للخيار العسكري من الأسباب غير المباشرة في عدم انضاج تسوية سياسية مقبولة للأطراف اليمنية، لذا ومن أجل المضي قدماً في تحقيق هذه التسوية، يستوجب أولاً الضغط على القوى الإقليمية المتدخلة في الصراع اليمني لكف تدخلاتها التي تسببت في انسداد الأفق السياسي وإطالة أمد الحرب، إذ لا بد أن تدرك السعودية فشل الخيار العسكري في كسب الحرب، وأن عشرة أشهر من عاصفة الحزم لم تحقق انتصاراً عسكرياً على الحوثي وصالح، عدا عن مضاعفة معاناة اليمنيين، وبالتالي يمكنها من خلال المشاورات السياسية تحقيق أجندتها السياسية بما في ذلك حصولها على ضمانات دولية تمنع الحوثي وصالح من استهداف أراضيها، كما على المجتمع الدولي أن يضغط على إيران الحليف الإقليمي لجماعة الحوثي للكف عن تمويلها بالأسلحة.
وفي حين تلقي الصراعات والتنافس الإقليمي المتصاعد بين السعودية وإيران بظلاله على تعثر التسوية السياسية، فإن عقدة التسوية لا تقف عند الدور الإقليمي وحسب، بل في تمسك أطراف الصراع اليمني بمرجعياتها وتوظيفها لمصلحتها لا مصلحة اليمنيين؛ حيث تتمسك السلطة الشرعية بتنفيذ القرار الأممي كحزمة واحدة، دون أن تعير بالاً للأضرار التي تلحق باليمنيين جراء استمرار الحرب، ويرفض الحوثي وصالح تسليم الأسلحة للدولة والانسحاب من المدن، ويشترطون لتنفيذها انسحاباً متزامناً للقوات التابعة لهادي، وتسمية حكومة جديدة مؤقتة لإدارة هذه العملية. إن تمسك أطراف الصراع باشتراطاتها مع تصعيدها الحرب في مدن المواجهات، يؤكد عدم جديتها في المفاوضات السياسية، حيث تتجاهل طبيعة المفاوضات وهدفها، مختزلة المفاوضات في شروط تعجيزية يقصد منها تعطيل التسوية والاستمرار في خيار الحرب؛ ذلك أنها تدرك بأن أي تسوية سياسية سوف تؤدي في النهاية إلى طي صفحة صالح وهادي وتحجيم قوة الحوثيين أو القضاء عليها، لذا ترى هذه الاطراف أن استمرار الحرب السبب الوحيد لبقاء شرعيتها.
إن فشل كل التسويات السياسية في اليمن ناتج بالمقام الأول عن عدم تمثيلها لليمنيين وضمان مصالحهم، وتركز هذه التسويات على خدمة مراكز النفوذ وقوى سياسية متنازعة؛ لنجاح أي تسوية سياسية قادمة، لا بد من وضع معاناة اليمنيين في المقدمة والتركيز على المصالح الوطنية لجميع اليمنيين وليس مصالح أطراف النزاع فقط، والانطلاق من بديهة إنسانية تتمثل بوقف شامل لإطلاق النار بين أطراف الصراع، وتشكيل لجنة رقابية دولية لضمان عدم حدوث خروقات؛ وعسكرياً، يجب أن تنص التسوية على تزامن الانسحاب التدريجي للحوثيين وصالح من المدن اليمنية مع وقف إطلاق النار ورفع الحصار البري والجوي الذي تفرضه السعودية على اليمن، ووقف العمليات العدائية لمليشيات الحوثي وصالح على الأراضي السعودية. إن أي تسوية سياسية بين الأطراف اليمنية لا بد أن تؤدي إلى استعادة اليمنيين لدولتهم والحفاظ على الجغرافية الوطنية لليمن الموحد، وأن تقوم التسوية على مسودة الدستور الناجز، لا الدستور المستقبلي المتنازع عليه، وأن تتم مراجعة مسودة الدستور، خاصة فيما يتعلق بشكل الدولة وتقسيم اليمن إلى أقاليم، كون ذلك كان من الأسباب غير المباشرة لتفجر الصراع.
في اليمن، البلد الذي يعيش تبعات حرب ظالمة أودت بحياة أبنائه، يأمل اليمنيون أن تنتهي هذه الحرب سريعاً، لكنهم يدركون من التجارب التاريخية المريرة أن التسويات السياسية لا تنهي الحرب بل قد تؤدي إلى جولة من الاقتتال الأهلي إذا كانت هذه التسويات تخدم مصالح أطراف الصراع، وأن السبيل إلى وقف انجرار القوى السياسية للقوة يكون بتخليق مشروع وطني جامع يحقق مصالح جميع اليمنيين دون استثناء يضمن لهم مواطنة متساوية وحياة كريمة.

منشورات أخرى للكاتب